الرئيسيةبحـثس .و .جالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 العهد المدني (تتمت 1 )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ubetoo
 
 
avatar


المشاركات: المشاركات: : 481
نقاط نقاط : 3218
السٌّمعَة السٌّمعَة : 3
تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 22/10/2010

مُساهمةموضوع: العهد المدني (تتمت 1 )   الجمعة أكتوبر 22, 2010 3:12 pm


ثانيًا: غزوة السويق

لم يكن من المتوقع أن يتلقى أهل مكة هزيمتهم من المسلمين بالقبول والاستسلام، ولذلك فإنهم منذ عادوا من بدر أعلنوا أن يوم الانتقام قريب ونذر أبو سفيان ألا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدًا صلى الله عليه وسلم

ولذلك تعجل أبو سفيان القيام بعمل سريع يعيد به إلى قريش كبرياءها ومكانتها التي فقدتها في بدر، وينال به من المسلمين إرضاء لنزعه الحقد والغيظ التي ملكت القرشيين جميعًا ضد المسلمين وضاعفتها هزيمة بدر

فخرج في مائتي راكب من قريش وذلك في ذي الحجة، أي بعد غزوة بدر بشهرين، يريد المدينة ولما قاربها أتى بني النضير تحت جنح الليل، فأتى حي بن أخطب فلم يقبل مقابلته، فانصرف عنه إلى سلام بن مشكم، وكان سيد بني النضير في زمانه، فاستأذن عليه فأذن له، واجتمع به فعرف منه بعض أخبار المسلمين، وأعلمه أبو سفيان بما عزم عليه وأتى من أجله ثم خرج من عنده ليلاً وبعث رجالاً من قريش إلى المدينة فأتوا ناحية منها يقال لها العريض في طرف المدينة فحرقوا نخلاً بها وقتلوا رجلاً من الأنصار وحليفًا له في حرث لهما ثم كروا راجعين، ورأى أبو سفيان أنه قد بر بيمينه في غزو محمد

وعلم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج في أثرهم وسار معه بعض أصحابه حتى بلغوا قرقرة الكدر( ماء لبني سليم ) ولم يلحقوا بهم لإمعان أبي سفيان وأصحابه في الفرار لخوفهم، حتى أنهم ألقوا ما معهم من الأزواد للتخفف حتى استطاعوا النجاة من جيش المسلمين، وقد سميت غزوة السويق (والسويق هو: قمح أو شعير يغلى ثم يطحن فيتزود به ملتوتًا بماء أو سمن أو عسل) لأن أكثر ما طرح القوم من أزوادهم السويق، فهجم المسلمون على سويق كثير فسميت الغزوة بذلك الاسم

ثالثًا: غزوات لبعض القبائل حول المدينة

قام الرسول صلى الله عليه وسلم ببعض الغزوات للقبائل القريبة من المدينة والتي تقع في طريق تجارة مكة إلى الشام، وكانت قريش تحالفهم لحماية تجارتها وتحرضهم للقيام بغزو المدينة والإغارة على المسلمين، ولذلك نهض الرسول صلى الله عليه وسلم ليشتت هذه الجموع ويمنعها من أن تتحد على غزو المدينة وحرب المسلمين، وفي نفس الوقت لا يعطي الفرصة لقريش لكي تأمن على طرق تجارتها ومن هذه الغزوات

غزوة بني سليم: حلفاء مكة، وكانت قريش قد حرضتهم على غزو المدينة فذهب الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم فهربوا

وغزوة ذي أمر: وقد خرج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى غطفان لأنهم أرادوا غزو المدينة فذهب الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم فلم يلق كيدًا

وغزوة الفرع من بحران: وقد غزا الرسول صلى الله عليه وسلم يريد قريشًا حتى بلغ بحران ثم رجع إلى المدينة دون قتال

سرية زيد بن حارثة إلى القردة: وقد لقي فيها زيد بن حارثة أبا سفيان بن حرب أثناء إرسال قريش لتجارة عن طريق العراق، وهو طريق وعر كان القرشيون يعتقدون أن المسلمين لا يعرفونه، ولكن أخبار هذه التجارة قد وصلت إلى المسلمين فبعث الرسول صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة فلقي القرشيين على القردة (ماء من مياه نجد) فأصاب تلك العير وما فيها من فضة كثيرة وقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن هرب منه الرجال

غزوة أحد

أسلفنا أن قريشًا طعنت طعنة لم تكن تتوقعها أبدًا في غزوة بدر، وقد بذلت محاولات متعددة لأخذ ثأرها واستعادة هيبتها ولكنها باءت جميعًا بالخيبة والفشل؛ فغزوة السويق التي قام بها أبو سفيان كانت أشبه بحملات قطاع الطرق؛ فقد قام فيها ببعض أعمال التخريب في أطراف المدينة ثم لاذ بالفرار السريع دون أن يحقق شيئًا ذا بال فهو عمل لم يرض غل القرشيين أو ينفس عن أحقادهم

وتحريض قريش للقبائل القريبة من المدينة على الرسول صلى الله عليه وسلم فشل فشلاً ذريعًا كما رأينا بفضل يقظة الرسول صلى الله عليه وسلم ومبادأته بتفريق شملهم وتشتيت جمعهم حتى لا يتحدوا عليه

وجاء استيلاء زيد بن حارثة على قافلة قريش ضربة موجعة رأت فيها قريش تهديدًا خطيرًا لها في تجارتها واقتصادها

لكل هذا فكرت قريش في عمل كبير تسترد به هيبتها، فاجتمع من بقي من أشرافهم بأبي سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة فقالوا: يا معشر قريش إن محمدًا قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه، فعلنا ندرك منه ثأرنا بمن أصاب منا، ففعلوا

وفيهم نزل قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ سورة الأنفال، آية 36

وأعدت قريش حملة خرجت في منتصف شوال من السنة الثالثة للهجرة بحدها وحديدها وأحابيشها ومن تابعها من القبائل في عدد يربو على ثلاثة آلاف مقاتل من بينهم سبعمائة من الجنود المدرعة ومائتين من الفرسان

وخرجت بعض النسوة من قريش مع الجيش ليبعثن الحماس في الرجال، وعلى رأس هؤلاء النسوة هند بنت عتبة زوج أبي سفيان، وهي أشدهن على الثأر حرقة؛ فقد قتل يوم بدر أبوها وأخوها. وواصل الجيش الزحف إلى المدينة فنزل قريبًا من جبل أحد وأرسل خيله وإبله ترعى زروع المدينة

واجتمع الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون يتشاورون، وكان من رأي الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقيم المسلمون بالمدينة ويدعون المشركين حيث نزلوا فإن قاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا المدينة قاتلوهم في طرقاتها وشوارعها، وكان مع الرسول على هذا الرأي شيوخ المهاجرين والأنصار ووافق على هذا الرأي أيضًا عبد الله بن أبي بن سلول، ولكن الشباب من المسلمين وخاصة ممن لم يشهد بدرًا قالوا: يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرونا أنا جبنا عنهم وضعفنا، فلم يزالوا برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل بيته فلبس لامته (الدرع وقيل السلاح) وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة

وشعر القوم أنهم استكرهوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأيهم فقالوا:استكرهناك يا رسول الله ولم يكن ذلك لنا، فإن شئت فاقعد صلى الله عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يقاتل

ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من الغلمان لصغرهم منهم أسامة بن زيد وعبد الله ابن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت .... وغيرهم

ورد سمرة بن جندب ورافع بن خديج، وهما ابنا خمس عشرة سنة، فشفع أبو رافع لابنه وقال:يا رسول الله إن ابني رافعًا رام، فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم، وعرض على رسول الله سمرة بن جندب وهو في سن رافع فرده الرسول لصغره، فقيل لرسول الله أن سمرة يصرع رافعًا فأجازه هو الآخر

وقيل أن رسول الله استصغر رافعًا فقام على خفين له فيهما رقاع وتطاول على أطراف أصابعه، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم أجازه

وبهذه الروح الوثابة الحريصة على الجهاد وقتال أعداء الله خرج الجيش الإسلامي وكان عدده يبلغ ألف مقاتل. فلما كانوا بالشوط (بين المدينة وأحد) انخذل عبد الله بن أبي بثلث الناس وقال أطاعهم وعصاني

وفيه ومن انسحب معه نزلت الآية:{وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ}سورة آل عمران، آية 167

في ميدان أحد

ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وصل سفح جبل أحد (وهو جبل على نحو ثلاثة كيلو مترات من المدينة)، وجعل ظهره وعسكره إلى جبل أحد ووجههم إلى المدينة

أما المشركون فقد نزلوا ببطن الوادي قرب سفح الجبل وعلى ميمنتهم خالد بن الوليد وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل

وأصدر الرسول صلى الله عليه وسلم أمرًا عامًا يمنع فيه المسلمين من محاولة الاشتباك مع المشركين قبل صدور أمره إليهم بذلك، ورتب الرسول صلى الله عليه وسلم رماة النبل خلف الجيش على ظهر الخيل، وهم خمسون رجلاً يقودهم عبد الله بن جبير، ووجه الرسول صلى الله عليه وسلم إليه توجيهه قائلاً: انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا إن كانت الدائرة لنا أو علينا، فاثبت في مكانك لا تؤتين من قبلك، وأمرهم بأن يلزموا مركزهم ويثبتوا في مكانهم وأن لا يفارقوه ولو رأوا الطير تتخطف العسكر، و لبس رسول الله صلى الله عليه وسلم درعًا فوق درع ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير رضي الله عنه

المعركة

واشتبك الفريقان ودنا بعضهم من بعض وقامت هند بنت عتبة في النسوة وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال يحرضنهم، فقالت هند فيما قالت

ويها حماة الأدبار ويهابني عبد الدار
ضربًا بكل بتار
وتقول

ونفرش النمارق إن تقبلوا نعانق
وفراق غير وامق أو تدبروا نفارق
نمارق : أي الوسائد الصغيرة و كل ما يجلس عليه
الوامق : أي المحب
وكان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد " أمت . أمت "، واقتتل الناس حتى حميت الحرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقام إليه رجال فأمسكه عنهم حتى قام إليه أبو دجانة سماك بن خرشة فقال: وما حقه يا رسول الله؟ قال: أن تضرب به العدو حتى ينحني، قال: أنا آخذه يا رسول الله بحقه فأعطاه إياه، وكان أبو دجانة رجلاً شجاعًا يختال عند الحرب، وكان إذا اعتصب بعصابة له حمراء علم الناس أنه سيقاتل. فلما أخذ السيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرج عصابته تلك فعصب بها رأسه وجعل يتبختر بين الصفين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى أبا دجانة يتبختر: إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن وصار أبو دجانة يقول

ونحن بالسفح لدى النخيل أنا الذي عاهدني خليلي
اضرب بسيف الله والرسول ألا أقوم للدهر في الكيول
فجعل لا يلقى أحدًا إلا قتله
و الكيول : أي اخر الصفوف و يعني عدم قيامه في الكيول الا يقاتل في مؤخرة الصفوف بل يظل ابدا في المقدمة
وأبلى المسلمون بلاء حسنًا؛ فقد قاتل حمزة بن عبد المطلب قتالاً شديدًا وقتل عددًا من الأبطال لا يقف أمامه شئ حتى قتل شهيدًا إذ ضربه وحشي، غلام جبير بن مطعم بحربة له

وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل، وكان الذي قتله ابن قمئة الليثي وهو يظن أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع إلى قريش فقال: قتلت محمدًا، فلما قتل مصعب بن عمير أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء لعلي بن أبي طالب

وخرج حنظلة بن أبي عامر إلى القتال وهو جنب فضربه شداد بن الأسود فقتله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن صاحبكم، يعني حنظلة، لتغسله الملائكة، فسألوا أهله ما شأنه، فسئلت صاحبته عنه فقالت خرج وهو جنب سمع الهاتفة

إن حادي التضحية كان أملك لنفس حنظلة وأملأ لحسه من داعي اللذة، فاستشهد البطل وهو حديث عهد بعرس ليعطي النموذج الأعلى للتضحية والإيثار والإخلاص لله ولرسوله

قال ابن إسحاق: وأنزل الله تعالى نصره على المسلمين وصدقهم وعده حتى كشفوا المشركين عن العسكر وكانت الهزيمة لاشك فيها وولت النساء مشمرات هوارب

قال ابن الزبير: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب ما دون أخذهن قليل ولا كثير

الرماة يتسببون في هزيمة المسلمين

ولما رأى المسلمون تقهقر المشركين وفرارهم أقبلوا على المغانم يأخذونها، وغادر الرماة مواقعهم وتركوا مراكزهم التي شدد الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يلزموها وألا يبرحوها أبدًا ولو رأوا الجيش تتخطفه الطير، وقالوا: يا قوم الغنيمة الغنيمة، فذكرهم أميرهم عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنهم في لحظة يسيرة من لحظات الضعف الإنساني لم يسمعوا وظنوا أن ليس للمشركين رجعة، فذهبوا في طلب الغنيمة وأخلوا الثغر وخلوا ظهور المسلمين إلى الخيل

ولما رأى خالد بن الوليد قائد جناح المشركين يومئذ خلو المرتفع من الرماة انطلق ببعض فرقته فقتل من ثبت من الرماة وعلى رأسهم قائدهم عبد الله بن جبير، واستولى على المرتفع وفاجأ المسلمين من الخلف مفاجأة أذهلتهم، ورأى الفارون من قريش هذا التغير المفاجئ فتراجعوا

وفي لحظات مال ميزان الفوز في جانب المشركين؛ فقد انتفضت صفوف المسلمين واختلطوا من غير شعور وصار يضرب بعضهم بعضًا

ما أصاب الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد

وكرّ المشركون كرة وانتهزوا الفرصة وانكشف المسلمون فأصاب فيهم العدو، وكان يوم بلاء وتمحيص، واستطاع المشركون أن يخلصوا قريبًا من النبي صلى الله عليه وسلم وأصابته الحجارة حتى وقع لشقه و أصيبت رباعيته وشج في وجهه وجرحت شفته صلى الله عليه وسلم، وجعل الدم يسيل على وجهه فيمسحه ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم

ووقع الرسول صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التي عملها المشركون ليقع فيها المسلمون فأخذ علي بن أبي طالب رضي الله عنه بيده صلى الله عليه وسلم

وكان من المشركين رجل يقال له ابن قمئة قتل مصعب بن عمير صاحب اللواء وأشاع أن محمدًا قد قتل فزاد ذلك من صعوبة موقف المسلمين

ولما انهزم الناس لم ينهزم انس بن النضير عم أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقدم فلقيه سعد بن معاذ فقال: أين يا أبا عمر؟ فقال أنس: وأما لريح الجنة يا سعد إني أجدها دون أحد

وانتهى أنس بن النضير إلى رجال من المهاجرين والأنصار وقد ألقوا بأيديهم وانكسرت نفوسهم، فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فماذا تصنعون بالحياة من بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل. يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: لقد وجدنا به (أي أنس بن النضر) يومئذ سبعين ضربة فما عرفه إلا أخته، عرفته ببنانه

وأول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة كعب بن مالك، فنادى بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعاد إلى المسلمين صوابهم إذ وجدوا الرسول حيًا وهم يحسبونه مات فنهضوا به ونهض معهم نحو الشعب

وأدركه أبي بن خلف الجمحي وهو يقول: أي محمد لا نجوت إن نجوت، فقال القوم: يا رسول الله أيعطف عليه رجل منا؟ فقال رسول الله: دعوه فلما دنا تناول رسول الله الحربة من أحد أصحابه ثم استقبله وطعنه في عنقه طعنة تقلب بها عن فرسه مرارًا

وخرج علي بن أبي طالب فملأ درقته ماء وغسل من وجهه صلى الله عليه وسلم الدم، وكانت فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم تغسله وعلي بسكب الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها وألصقتها فاستمسك الدم

ومص مالك بن سنان الدم عن وجهه صلى الله عليه وسلم وابتلعه، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: من مس دمي دمه لم تصبه النار

ونزع أبو عبيدة بن الجراح إحدى الحلقتين من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسقطت سنته ونزع الأخرى فكان ساقطا السنتين

صورة رائعة من الحب والتضحية

وقد ضرب المسلمون في هذه المعركة أروع الأمثلة في التضحية والحب و الفداء؛ فهذا أبو دجانة تترس بنفسه دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقع النبل في ظهره وهو منحن عليه حتى كثر فيه النبل

ورمى سعد بن أبي وقاص دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يناوله النبل ويقول: أرم فداك أبي وأمي

وأصيبت عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فكانت أحسن عينيه وأحدهما

وقاتل زياد بن السكن في خمسة من الأنصار دون رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتلون دونه رجلاً ثم رجلاً، فقاتل زياد حتى أثبتته الجراحة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أدنوه مني، فأدنوه فوسده قدمه فمات وخده على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم

وكان عمرو بن الجموح أعرج شديد العرج وكان له أربعة أبناء شباب يغزون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما توجه إلى أحد أراد أن يخرج معه فقال له بنوه: إن الله قد جعل لك رخصة فلو قعدت ونحن نكفيك وقد وضع الله عنك الجهاد، وأتى عمرو رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن بني هؤلاء يمنعونني أن أخرج معك ووالله إني لأرجو أن أستشهد فأطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد، وقال لبنيه: وما عليكم أن تدعوه لعل الله يرزقه الشهادة، فخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل يوم أحد شهيدًا

وقال عبد الله بن جحش في ذلك اليوم: اللهم إني أقسم عليك أن ألقى العدو غدًا فيقتلوني ثم يبقروا بطني ويجدعوا أنفي وأذني ثم تطلبني فيم ذلك ؟ فأقول فيك

شماتة المشركين بالمسلمين

وكان لهذا التحول في سير المعركة أثره لدى المشركين، فقد فرحوا وعبروا عن شماتتهم وحقدهم تجاه المسلمين حتى القتلى منهم؛ فقد وقفت هند بنت عتبة والنسوة اللاتي معها يمثلن بالقتلى من المسلمين، يقطعن الأذان والأنوف، وبقرت هند عن كبد حمزة رضي الله عنه فمضغتها فلم تستطيع أن تسينها فلفظتها

ولما أراد أبو سفيان الانصراف أشرف على الجبل ثم صرخ بأعلى صوته إن الحرب سجال يوم بيوم اعل هبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قم يا عمر فأجبه، فقال: الله أعلى وأجل، لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجيبوه، قالوا: ما نقول؟ قال قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم

ولما انصرف وانصرف المسلمون نادى: إن موعدكم بدر للعام القابل، فقال رسول الله لرجل من أصحابه: قل نعم هو بيننا وبينكم موعد

الرسول يتفقد شهداء المعركة

وفرغ الناس لقتلاهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع في الأحياء هو أم في الأموات؟ فقال رجل من الأنصار، هو محمد بن مسلمة: أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل سعد، فنظر فوجده جريحًا في القتلى وبه رمق، قال فقلت له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ قال: أنا في الأموات فأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عني السلام، وقل له إن سعد بن الربيع يقول لك جزاك الله عنا خير ما جزى نبيًا عن أمته وأبلغ قومك عني السلام، وقل لهم إن سعد بن الربيع يقول لكم أنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف، قال: ثم لم أبرح حتى مات، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبره

وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمس حمزة بن عبد المطلب فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده ومثل به فجدع أنفه وأذناه، فحزن الرسول صلى الله عليه وسلم على عمه حمزة وقال: لن أصاب بمثلك أبدًا، ما وقفت موقفًا قط أغيظ إلي من هذا، ثم قال: جاءني جبريل فأخبرني أن حمزة بن عبد المطلب مكتوب في أهل السماوات السبع حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله

وأقبلت صفية بنت عبد المطلب لتنظر إليه، وكان أخاها لأبيها وأمها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لابنها الزبير بن العوام: ألقها فأرجعها، لا ترى ما بأخيها، فقال لها: يا أماه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعي، قالت: ولم؟ وقد بلغني أن قد مثل بأخي وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله، وأتته فنظرت إليه وصلت عليه واسترجعت واستغفرت له، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفن

وكان بعض المسلمين قد حملوا قتلاهم إلى المدينة ليدفنوهم بها، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال: ادفنوهم حيث صرعوا

ومر الرسول صلى الله عليه وسلم على القتلى فقال: أنا شهيد على هؤلاء أنه ما من جريح يجرح في الله إلا وأنه يبعث يوم القيامة يدمي جرحه، اللون لون الدم والريح ريح المسك. وجمع الرسول صلى الله عليه وسلم بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد فكان يقول: أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحد قدمه في اللحد وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة، وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلوا

وقد بلغ عدد شهداء المسلمين يوم أحد سبعون، أكثرهم من الأنصار، وقتل من المشركين اثنان وعشرون رجلاً

غزوة حمراء الأسد

وعاد الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون إلى المدينة ولكنهم وجدوا المدينة كالمرجل المتقد؛ إذ كشف المنافقون واليهود والمشركون عما في قلوبهم نحو محمد ودينه وأظهروا السرور والفرح لما لحق بالمسلمين من هزيمة

فرأى الرسول صلى الله عليه وسلم أن الموقف يستدعي عملاً سريعًا يخفف من وقع هزيمة أحد، فأعاد تنظيم رجاله على عجل، وتحامل الجريح مع السليم على تكوين جيش جديد يخرج في أعقاب قريش ليطاردهم ويمنع ما قد يجد من تكرار عدوانها، ولإشعار الكفار بأن الهزيمة لم تؤثر في عزيمة المسلمين وأنهم من القوة بحيث خرجوا يطلبون الثأر

لقد كانت معركة أحد في يوم السبت لخمسة عشر من شوال وكان خروج هذا الجيش في يوم الأحد لستة عشر منه؛ فقد أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بالخروج في طلب العدو وأذن ألا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس، فخرجوا لم يتخلف منهم أحد حتى بلغوا حمراء الأسد، وهي على بعد ثمانية أميال من المدينة في طريق مكة، واقتربوا من جيش أبي سفيان

وكان رجال من قريش يتلاومون يقول بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئًا أصبتم شوكة القوم وحدهم ثم تركتموهم ولم تبتروهم

فلما علموا بخروج الرسول صلى الله عليه وسلم في أثرهم ظنوا أنه قد حضر معه من لم يحضر بالأمس لاسيما حين مر بهم معبد الخزاعي وقال لهم: إن محمدًا قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، فبعد أن كانوا يتلاومون على ترك المسلمين من غير شن الغارة على المدينة تزلزل تفكيرهم، وفترت همتهم وآثروا أن يبقوا على نصرهم في أحد واستمروا في سيرهم إلى مكة

أقام الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون في حمراء الأسد ثلاثة أيام ثم عادوا إلى المدينة، وقد أثنى الله تعالى على ذلك وخلد ذكره فقال تعالى:{الَّذِينَ اسْتَجَابُوا للهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}-سورة آل عمران الآيات 172-175

نتائج غزوة أحد

وبقدر ما كان انتصار بدر ذا أهمية كانت هزيمة أحد درساً للمسلمين في لزوم طاعة الرسول وعدم التكالب علي عرض الدنيا، وأن تكون الأعمال كلها لله غير متطور فيها لعرض الدنيا ، والحذر من المفاجأة واليقظة في حالة الفوز والأخذ بنواميس الطبيعة حتى ولو كان الرسول بينهم

وكان يوم أحد يوم بلاء وتمحيص أختبر الله به المؤمنين وأمتحن المنافقين وكشف خبيئتهم مما جعل الرسول يحتاط منهم بعد ذلك

وكان يوماً أكرم الله فيه من أراد كرامته بالشهادة، كما هيأ الله فيه نفوس المسلمين لتتلقي نبأ وفاته بعد ذلك وفي هذا تعليم للمسلمين أن رباط المسلمين برسولهم إنما يكون عن طريق ما جاء به من تعاليم وما سنة من سنن وما حث عليه من توجيهات وإرشادات وإن هذه العلاقة هي الحبل الموصول الذي يربطهم بنبيهم حياً وميتاً

فواجب المسلم هو الثبات علي العقيدة ، والجهاد في سبيلها وفي الوفاء لها في حياة الرسول وبعد وفاته وهذا هو الحب الحقيقي والصلة الحقيقية بين المسلم ونبيه

قال تعالى:{وَمَا مُحَمًّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ}-سورة آل عمران آية 144

ومن آثار غزوة أحد

أن اليهود استغلوا هذه الهزيمة في بث بذور الفتن في المدينة وتوسيع شقة الخلاف بين أصحابها

كما أنها جرأت عليهم بعض البدو المجاورين للمدينة وفتحت لهم أبواب الأمل في الإغارة علي المدينة وانتهاب أهلها فقد اعتقد هؤلاء الأعراب أن معركة أحد قد غيرت ميزان القوة لغير صالح المسلمين ولقد أدرك النبي صلى الله عليه و سلم حرج الموقف ودقته فأخذ أهبته وأستعد لكل طارئ

سرية بني أسد

كان أول من أراد انتهاز هذه الفرصة والإغارة علي المدينة هم بنو أسد ـ حلفاء قريش ـ فلم ينتظر النبي أسرع إلى إرسال سرية يقودها أبو سلمة المخزومي في مائة وخمسين رجلاً من المهاجرين والأنصار وأمره بالسير إلى أراضى بني أسد فسار في هلال المحرم من السنة الرابعة للهجرة حتى بلغ قطنا (جبل لبني أسد شرقي المدينة) فأغار عليهم فهربوا من منازلهم وهكذا رد الله كيد المشركين وكانت الدائرة عليهم وغنم المسلمون ما وجدوه من إبل وغنم فأخذوها وساقوها إلى المدينة التي وصلوها بعد أحد عشر يوماً من خروجهم منها

يوم الرجيع

وفي صفر من السنة الرابعة للهجرة قدم علي النبي صلى الله عليه و سلم رهط من قبائل " عضل " و " القارة" وذكروا ـ كذبا ـ أن فيهم إسلاما وانهم بحاجة إلى من يفقههم في الدين ، ويقرئهم القرآن ويعلمهم شرائع الإسلام ، فبعث إليهم النبي صلى الله عليه و سلم ستة من أصحابه وهم مرثد بن مرثد الغنوي ، وخالد بن البكير الليثي ، وعاصم بن ثابت ، وخبيب بن عدي ، وزبد بن الدثنة ، وعبد الله بن طارق

وأمر الرسول عليهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي فخرجوا مع الوفد حتى إذا كانوا بالرجيع ـ وهو موضع ماء لهزيل بين عسفان ومكةـ غدروا بهم واستصرخوا عليهم هزيلا فأحاطوا بهم وهب الدعاة يقاتلون الغادرين ولكن ماذا عسي أن يصنع هذا العدد القليل ضد مائة من الرماة أو تزيد

لقد قتلوا جميعاً إلا اثنان فقط بيعا في مكة هما خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة وقد بيعا لبعض الموتورين في بدر ليقتلوهما

فأما خبيبا فقد اشتراه حجر بن أبي إهاب ليقتله بأبيه إهاب ، وأما زيد بن الدثنة فقد اشتراه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف

فلما جئ بزيد ليقتلوه في حشد من قريش سأله أبو سفيان بن حرب:أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمداً عندنا الآن في مكانك تضرب عنقه وأنك في اهلك ؟
قال زيد : والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه ، وأني جالس في أهلي
قال أبو سفيان:ما رأيت من الناس أحداً يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمداً ثم قتل

وأما خبيب فلما جاءوا به ليصلبوه قال لهم إن رأيتم أن تدعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا ، قالوا : دون فأركع ـ فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما ثم اقبل علي القوم فقال أما والله لولا أن تظنوا أني إنما طولت جزعاً من القتل لاستكثرت من الصلاة فكان خبيب بن عدي أول من سن هاتين الركعتين عند القتل للمسلمين ثم رفعوه علي خشبه فلما أوثقوه قال : اللهم إنا قد بلغا رسالة رسولك فبلغه الغداة ما يصنع بنا ثم قال : اللهم أحصهم عدداً ، واقتلهم بدداً ، ولا تغادر منهم أحداً وانشد قائلاً

علي أي شق كان في الله مصرعي فلست أبالي حين اقتل مسلما
يبارك علي أوصال شلو ممزع وذلك في ذات الإله وإن يشأ
ثم قتلوه رحمه الله، يوم الرجيع
ولا شك أن ما أصاب هؤلاء المجاهدين في سبيل الله قد أدخل الحزن والألم في قلوب المسلمين جميعاً، ولكنهم كفكفوا دموعهم واحتسبوهم عند الله مؤمنين أن طريق الدعوة جهاد ، وأن ما حدث إنما هو حلقه في سلسلة الكفاح المتواصل ضد أعداء الله والإسلام حتى يقضي الله أمر كان مفعولاً

ملحمة بئر معونة

وفي نفس الشهر وقعت بالمسلمين كارثة أخري أكبر واشد إيلاماً من يوم الرجيع تلك هي كارثة بئر معونة ، فقد قدم أبو براء عامر بن مالك المشهور بملاعب الأسنة علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وطلب منه أن يبعث رجلا من أصحابه إلى أهل نجد ليدعوهم للإسلام فقال له الرسول "إني اخشي عليهم أهل نجد" فقال أبو براء أنا لهم جار فأبعثهم فليدعو الناس إلى أمرك

فبعث رسول الله معه سبعين رجلا من القراء فساروا حتى نزلوا بئر معونة من مياه بني سليم شرقي المدينة

فلما نزلوها بعثوا رسولا منهم بكتاب رسول الله إلى عامر بن الطفل من بني عامر فلما أتاه لم ينظر في كتابة بل عدا علي الرجل فقتله واستصرخ عليهم قبائل من بني سليم عصية ، ورعل ، وذكران ، فغشوا القوم و أحاطوا بهم فقتلوهم جميعاً إلا اثنان هما كعب بن زيد الأنصاري فإنهم تركوه وبه رمق فعاش حتى قتل يوم الخندق شهيداً

وكذلك عمرو بن أمية الضمري كان في رحال المسلمين فنجا من الموت وفي طريق عودته إلى المدينة لقي اثنين من بني عامر فاغتالهما في نومهما وهو يرى انه قد أصاب من ثأر أصحابه وإذا معهما عهد من رسول الله لم يعلم به عمرو فلما وصل المدينة أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما حدث فبادر النبي إلى دفع ديتهما عملا بقوانين العرب

وكان وصول خبر هذه الكارثة إلى النبي و المسلمين حتى أن الرسول ظل يدعو علي الغادرين بعد كل صلاة شهر كاملاً

ولقد وجد أهل المدينة من المنافقين واليهود فيما أصاب المسلمين الرجيع وبئر معونة ما أعاد إلى ذاكرتهم انتصار قريش في غزوة أحد وما أنساهم نصر المسلمين علي بني أسد فأضعفت هذه الملاحم المتتابعة من هيبة محمد و أصحابه في قلوبهم ، وكان لابد من عمل يعيد إلا قلوب هؤلاء الأعداء هيبة الرسول والمسلمين ويذكرهم بقوة المسلمين ويجدد أمجاد بدر وذكرياتها الغالية

فشاء الله تبارك وتعالى أن يكون إجلاء يهود بني النضير وتخلص المسلمين منهم ومن شرورهم

إجلاء بني النضير

ذهب رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى منازل بني النضير وهم قبيلة عظيمة من اليهود كانوا يسكنون علي بعد ميلين من المدينة علي مقربة من قباء ليستعين بهم في دية القبيلتين للذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري في بئر معونة كما ذكرنا وذلك لوجود عقد بين بني النضير وبني عامر

فلما أتاهم الرسول اظهروا الرضا ورقوا في الكلام ووعدوا بخير ولكنهم في الحقيقة اضمروا الغدر والاغتيال

وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم قاعداً إلى جنب جدار من بيوتهم فقال بعضهم لبعض:إنكم لن تجدوا الرجل علي مثل حاله هذه فمن رجل يعلوا هذه الميت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه، وصعد رجل ليلقي عليه الصخرة وكان رسول الله في نفر من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلي ، وأتى رسول الله الخبر من السماء بما أراد القوم فقام وخرج راجعاً إلى المدينة فلما إبطا قام أصحابه في طلبه فأخبرهم الخبر من اعتزامهم الغدر به ، أمر الرسول بالتهيؤ لحربهم

وقبل أن يسير أرسل لهم محمد بن مسلمة الأنصاري يقول لهم:"إن رسول الله أرسلني إليكم أن اخرجوا من بلادي لقد نقضتم العهد الذي جعلت لكم بما هممتم به من الغدر بي لقد أجلتكم عشراًِ فمن رئي في المدينة بعد ذلك ضربت عنقه" فتملكتهم الحيرة البالغة وبدأ القوم يستعدون الرحيل وبينما هم في حيرتهم يتجهزون إذ جاءهم رسول من قبل عبد الله بن أبي بن أبي سلول يقول لهم:أن اثبتوا وتمنعوا فأنا لن نسلمكن إن قوتلتم قاتلنا معكم وأن خرجتم خرجنا معكم

فأغراهم هذا الوعد وتأخروا عن الجلاء وانتهت مدة الإنذار التي حددها الرسول لهم فأمر الرسول بقتالهم فتحصنوا منه في الحصون

وحاصرهم الرسول ست ليال ثم أمر بقطع نخيلهم وحرقها ليكون ذلك ادعي لتسليمهم فنادوه "أن يا محمد قد كنت تنهي عن الفساد وتعيبه علي من صنعه فما بال قطع النخيل وحرقها" فنزل قول الله تعالى:{مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ}سورة الحشر آية 5

ومضت الأيام ولم يصل إليهم من عبد الله بن أبي مساعدة فتسرب اليأس إلى قلوبهم وقذف الله في قلوبهم الرعب فسألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يجليهم ويكف عن دمائهم علي أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم أمتعتهم إلا السلاح فقبل الرسول ذلك وصار اليهود يخربون بيوتهم بأيديهم كيلا يسكنها المسلمون ولينقلوا ما استحسنوه منها

وجلا اليهود عن المدينة فمنهم من خرج إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشام إلا رجلين منهم أعلنا إسلامهما يومئذ فبقيت لهما أموالهما ولم يخرجا مع المخرجين

وقسم رسول الله صلى الله عليه و سلم ما أفاء الله به عليه مما تركه بنوا النضير بين أصحابه من المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا أن سهل بن حنيف وأبا دجانة سماك أبن خرشة ذكرا فقرا فأعطاهما رسول الله صلى الله عليه و سلم

أثر جلاء بني النضير

لقد أتم الله نعمته علي المسلمين بهذا النصر العظيم وتخلص المسلمون من وكر من أوكار التآمر والمكيدة والخداع في يسر وسهولة وبذلك ضعف اليهود المقيمون حول المدينة وكان ضعفهم بلا شك يؤدي إلى إضعاف العنصر الثاني المعادي للرسول وهم المنافقون وكذلك أفاء الله علي المسلمين ما تركه بنو النضير من ارض ومتاع قسمها الرسول علي المهاجرين وفقراء الأنصار فرفع المهاجرون عن كاهل الأنصار بعض العبء وكان للسلاح الذي غنمه المسلمون أثره في قوة المسلمين واشتداد باسهم

غزوة ذات الرقاع

وفي شهر جمادى الأول سنة أربع من الهجرة علي الأرجح غزا رسول الله صلى الله عليه و سلم نجدا يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان لان الرسول بلغه انهم جمعوا الجموع له

فخرج في أربعمائة من أصحابه وقيل سبعمائة فلقي جمعاً عظيما ًمن غطفان وتقارب الفريقان ولم يكن بينهم قتال ، وقد خاف بعضهم بعضاً حتى صلي رسول الله صلى الله عليه و سلم بالناس صلاة الخوف ثم رجع بجيشه عائداً إلى المدينة

وقد قيل لها غزوة ذات الرقاع لأنهم رقعوا فيها راياتهم ويقال ذات الرقاع شجرة بذاك الموضع

غزوة بدر الثانية

لما قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة من غزوة الرقاع أقام بها بقية جمادى الأولي وجمادى الآخرة ورجباً ، وفي شعبان من نفس السنة الرابعة خرج رسول الله إلى بدر لميعاد أبي سفيان فنزله ومعه جيشه وظل مقيماً ثماني ليال ينتظر أبا سفيان، وخرج أبو سفيان ثم بدا له الرجوع ولعله تذكر هزيمة بدر وانهم لم ينتصروا في غزوة أحد إلا بسبب خطأ الرماة ـ لذلكما كاد أبو سفيان يقترب من الظهران حتى بدا له الرجوع فصاح بقومه:يا معشر قريش إنه لا يصلحكم إلا عام خصيب ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن وإن عامكم هذا عام جدب وإنني راجع فأرجعوا

وهكذا عاد جيش قريش وكفي الله المؤمنين القتال فسماهم أهل مكة جيش السويق ، وصاروا يقولون لهم:إنما خرجتم تشربون السويق و سميت الغزوة غزوة السويق وغزوة بدر

ولا شك أن هذه الغزوة قد محت أثر غزوة أحد محواً تاماً وأعادت للمسلمين كبرياءهم وقوتهم وبقيت قريش عاماً أخر تنتظر لقاء المسلمين مسجلة بذلك علي نفسها عار الجبن والتقاعس عن مواجهة المسلمين

غزوة دومة الجندل

بعد أن نكصت قريش عن مواجهة المسلمين في بدر كما ذكرنا وتوطدت مهابتهم في الجنوب التفتوا إلى الشمال

وسبب الغزوة هو أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بلغه أن جمعا من الأعراب تجمعوا بدومة الجندل يريدون غزو المدينة ومهاجمتها ـ فسار إليها الرسول في شهر ربيع الأول سنة خمس على رأس ألف من المسلمين يكمن بهم نهاراً ويسير ليلاً حتى يفاجئ أعداءه

فجاء الخبر أهل دومة الجندل فتفرقوا فأقام الرسول بها أياما وبث السرايا وفرق الجيوش ثم رجع عائداً إلى المدينة ومعه بعض الغنائم

ولا شك أن هذه الغزوة كانت خطوة مهمة في انتشار الإسلام إلى قرب الشام فقد أحست القبائل الساكنة بين المدينة وأطراف الشام الجنوبية بقوة الإسلام وعزته

ودومة الجندل تبعد عن المدينة بخمس عشرة ليلة تقريبا وبينها و بين دمشق خمس ليال

غزوة بني المصطلق

وسببها أن النبي صلى الله عليه و سلم بلغة أن الحارث بن أبي ضرار قائد بني المصطلق يقوم بتجمعات عدائية في شعبان من السنة الخامسة للهجرة وكانوا ممن ساعد قريشا يوم أحد ولعل ذلك كان بتحريض من قريش

فلما سمع بهم رسول الله خرج إليهم ليأخذهم علي غرة كعادته في أخذ أعدائه وقد خرج معه أكبر عدد من المنافقين خرج في غزوة

والتقي بهم علي ماء يسمي " المريسيع " بناحية " قديد" وعرض عليهم الإسلام فرفضوا إذ روي أن الرسول أمر عمر فنادى في الناس قولوا لا إله إلا الله تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم فأبوا وهنا دار القتال بينهم وانهزم بنوا المصطلق وقتل من قتل ، وسقطت القبيلة بما تملك في أيدي المسلمين وظفر المسلمون بمغانم وسبايا كثيرة ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد

وكان من بينهم برة بنت الحارث سيد القوم فأراد رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يجعل المسلمين يمنون علي النساء بالحرية من تلقاء أنفسهم وذلك لأن بني المصطلق من اعز العرب وأسر نسائهم شاق علي النفوس فتزوج الرسول منهم برة بنت الحارث وسماها جويرية

وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله قد تزوج جورية ابنة الحارث بن أبي ضرار فقال الناس أصهار رسول الله صلى الله عليه و سلم وأرسلوا ما بأيديهم ومنوا عليهم بالعتق ، وبذلك كانت جويرية أيمن امرأة علي قومها حيث اعتق في زواجها مائة أهل بيت من بني المصطلق

فتن المنافقين

علي أن هذا النصر الميسر شابه من أعمال المنافقين ما عكر صفوه وأنسي المسلمين حلاوته

فقد وردت واردة من الناس تستقي حول ماء "المريسيع" ومعها الخيل و الإبل وتزاحم الدواب علي الشرب وتدافع أحد المهاجرين وكان أجيرا لعمر بن الخطاب مع أحد الأنصار وكان أجيرا لعبد الله بن أبي ووقع بينهما ما أثار الشر والغيظ فصرخ الأنصاري:"يا معشر الأنصار" ، وصرخ المهاجري:"يا معشر المهاجرين" ، فغضب عبد الله بن أبي رأس المنافقين وعنده رهط من قومه فيهم زيد ابن أرقم غلام حدث فقال أوقد فعلوها ؟ قد نافرونا و كاثرونا في بلادنا والله ما عدنا و جلاليب قريش إلا كما قيل "سمن كلبك يأكلك" أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ثم اقبل علي من حضره من قومه فقال لهم:هذا ما فعلتم بأنفسكم حللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم

فسمع ذلك زيد بن أرقم فمشى به إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وكان في جمع من أصحابه منهم عمر بن الخطاب الذي أشار بقتل أبن أبي ولكن الرسول قال له كيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه لا ولكن أذن بالرحيل

وأمر الرسول بالرحيل لئلا ينشغل الناس بهذه الفتنة ويجد الشيطان سبيلا إلا قلوبهم وذلك في ساعة لم يكن الرسول يرتحل فيها فارتحل الناس

ومشى عبد الله بن أبي بن سلول إلى رسول الله حين بلغه أن زيداً قد بلغه ما سمع منه فحلف للرسول كذباً أنه ما قال ولا تكلم فقال من حضر ذلك من الأنصار عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال

وسار الرسول فلقيه أسيد بن حضير فسأل النبي والله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح في مثلها فقال له رسول الله أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟ قال وأي صاحب يا رسول الله ؟ قال عبد الله بن أبي قال : وما قال ؟ قال الرسول زعم انه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل قال أسيد : فأنت يا رسول الله والله نخرجه منها إن شئت هو والله الذليل وأنت العزيز ثم قال:يا رسول الله أرفق به فوالله لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه فإنه يري انك قد استلبته ملكه

ومشى رسول الله صلى الله عليه و سلم بالناس يومهم حتى أمسى ليلتهم حيث اصبح وصدر اليوم التالي حتى آذتهم الشمس ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياماً وإنما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من عبد الله بن أبي وتابع الرسول سيره حتى عاد إلى المدينة

ولم يكن الرسول يصل إليها حتى نزلت سورة المنافقين وفيها قول الله تعالى:{هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَللهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ * يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ}-سورة المنافقون الآيات 7-8

فقرأ الرسول علي المؤمنين هذه السورة وفيما فضيحة عبد الله بن أبي وإخوانه من المنافقين وتصديق زيد بن أرقم ـ فظن قوم أن في هذه الآيات القضاء علي ابن أبي وان الرسول لا شك آمر بقتله وبلغ ذلك أبنه عبد الله بن عبد الله بن أبي وكان من اقوى الناس إسلاماً فذهب إلى رسول الله وقال:يا رسول الله إنه بلغني إنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه فإن كنت لابد فاعلا فمرني به فأنا احمل إليك رأسه فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني وإني اخشي أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار فقال رسول الله بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا

وقد أدي عفوه عليه السلام عن زعيم المنافقين أن هان أمره وانشق حزبه حتى كان إذا حدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شأنهم:كيف تري يا عمر أما والله لو قتلته يوم قلت أقتله لارعدت له أنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته فقال عمر:قد والله علمت لأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أعم بركة من أمري

حديث الإفك

كانت عائشة رضي الله عنها مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في هذه الغزوة (غزوة بني المصطلق) وفي أثناء عودة المسلمين إلى المدينة حدثت حادثة الإفك التي أذاعها دعاة السوء حول السيدة عائشة رضي الله عنها وعلي رأسهم كبير المنافقين عبد الله بن أبي وذلك حين رأوا صفوان بن المعطل يقود بعير السيدة عائشة رضي الله عنها في المدينة عند عودتها من هذه الغزوة فاتهموها إفكا وبهتاناً وصاروا يذيعون هذا الإفك حتى كادت تحدث فتنة في المدينة وتطرق الحزن والألم على قلب الرسول صلى الله عليه و سلم والمسلمين

وتقص علينا السيدة عائشة نفسها هذه الحادثة فتقول : "كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه : فأيتهن خرج سهمها خرجت معه ، فلما كانت غزوة بني المصطلق خرج سهمي عليهن فارتحلت معه

قالت: وكان النساء إذ ذاك يأكلن العلق: لم يهجهن اللحم فيثقلن ، وكنت إذا رحل بعيري جلست في هودجي ثم يأتي القوم فيحملوني يأخذون بأسفل الهودج فيرفعونه فيضعونه علي ظهر البعير ويشدونه بالحبال وبعدئذ ينطلقون

فلما فرغ رسول الله من سفره ذاك توجه قافلا حتى إذا كان قريبا من المدينة نزل منزلا فبات فيه بعض الليل ، ثم أذن في الناس بالرحيل فتهيؤا لذلك وخرجت لبعض حاجتي وفي عنقي عقد لي فلما فرغت أنسل من عنقي ولا ادري فلما رجعت إلى الرحل ذهبت ألتمسه في عنقي فلم أجده وقد أخذ الناس في الرحيل فرجعت إلى مكاني الذي ذهبت إليه فالتمسته حتى وجدته وجاء القوم الذين كانوا يرحلون لي البعير (وقد كانوا فرغوا من إعداده) فاخذوا الهودج وهم يظنون أني فيه كما كنت اصنع فاحتملوه فشدوه علي البعير ولم يشكوا أنى به ، ثم اخذوا برأس البعير وانطلقوا

ورجعت إلى العسكر وما فيه من داع ولا مجيب ، لقد انطلق الناس... قالت:فتلففت بجلبابي ثم اضطجعت في مكاني وعرفت أني لو افتقدت لرجع الناس إلى فوالله إني لمضطجعه إذ مر بي صفوان بن المعطل السلمي وكان قد تخلف عن العسكر لبعض حاجته ، فلم يلبث مع الناس فرأي سوادي فاقبل حتى وقف علي وقد كان يراني قبل أن يضرب علينا الحجاب فلما رآني قال:"إنا لله وإنا إليه راجعون"ظعينة رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ وأنا متلففة في ثيابي ما خلفك يرحمك الله ؟ قالت فما كلمته ثم قرب إلي البعير فقال أركبي وإستأخر عني ، قالت:فركبت وأخذ برأس البعير منطلقاً يطلب الناس فوالله ما أدركنا الناس وما افتقدت حتى أصبحت ونزلوا فلما اطمأنوا طلع الرجل يقود بي البعير فقال أهل الإفك ما قالوا وارتجع العسكر والله ما أعلم بشيء من ذلك

وهكذا كان حديث الإفك الذي تولي كبره عبد الله بن أبي رأس المنافقين ولم يتورع عن قذف المحصنات الغافلات بالباطل هو ومن معه من المنافقين

ولكن الله سبحانه وتعال
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://dragonar.yoo7.com
عطرالياسمين
 
 
avatar


المشاركات: المشاركات: : 6
نقاط نقاط : 2564
السٌّمعَة السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 25/11/2010

مُساهمةموضوع: رد: العهد المدني (تتمت 1 )   الخميس نوفمبر 25, 2010 11:43 am


بارك..الله..فيك..وجزاك..الله.. خير

وجعله..الله..من..ميزان..حسنات ك
ولاحرمنا...الله...روائع...طرح
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Midox_Dragonar
 
 
avatar


المشاركات: المشاركات: : 975
نقاط نقاط : 4852
السٌّمعَة السٌّمعَة : 4
تاريخ التسجيل تاريخ التسجيل : 18/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: العهد المدني (تتمت 1 )   الجمعة مارس 25, 2011 2:12 pm






الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://dragonar.yoo7.com
 
العهد المدني (تتمت 1 )
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: 

 ::   :: الــســيــرة الــنــبــويـــة
-
انتقل الى:  
http://dragonar.yoo7.com/ مواضيع